رئيس التحرير : علي بن صالح الشمراني
صحيفة شمران الإخبارية

( الـزمــن الـجـمـيــل ) للكاتب/ علي بن مزهر بن محمد الشمراني

+ = -

(قصة قصيرة)

جلس أبو آسر على كرسيه في شُرفَةِ شقته الفندقية في البرج العالي الذي أقامه على مشارف النيل السعيد..
جلس سعيدًا مُنتشيًا بعد مكالمة هاتفية مع أخٍ حبيب وصديقٍ مُقرّب والذي ساق له بشرى سارّة أبهجت فؤاده..
حَانَتْ منه التِفاتَةٌ نحو الأرض البعيدة وإذا امرأة مُسنة تحاول أن تَحْمِل متاعها لتضعه في صندوق سيارة الأجرة التي استوقفتها فلا تستطيع، فهي تقوم وتقعد عاجزة، وصاحب السيارة لا ينظر إليها غير مبال بحالها..
أخذته “الشيمة” وهَبَط إلى الأرض في ثوانٍ لا يعلم عددها ولا يدرك كُـنْهَـها.. كيف وصل بهذه السرعة؟! أهبط مظليا؟ أم قفز كطرزان؟ أم نزل السلم؟ أو ركب المصعد..؟ لا يدري… نَشوة الخبر السعيد جعلته يطير من الفرح..
سلّم على العجوز وبادر بحمل متاعها إلى السيارة ثم فتح لها الباب ودعاها للركوب.
قال مبتسما وهو يشير بيده: تفضلي يا سيدتي..
ابتسمت فَرَحًا وعَلت ضَحِكاتها في حياء.. دَسّ في يدها مبلغا من المال نظَرتْ إليه واستكثرته قائلة: (دا كتير يا ابني) وهي تمد يدها به كأنها تعيده إليه، قائلة: (وانا مش محتاجة).
دفع يدها بِلُطف وهو يقول: أنا المحتاج.. وهل تبخل الأم على ولدها؟.
ترقرقت عيناها وهي تلهج له بالدعاء شاكرة راضية.
ثم دار حول السيارة ليصل إلى السائق ومَدّ يده عبر النافذة مُسَلِّـمًا ودنا منه مداعبا: (من فضلك توَصّل الست). وأعطاه مبلغًا مُجزيا فما كان من السائق إلا أنْ تَرَجّلَ من السيارة محاولًا تقبيل رأسه وهو يَتَمَنّع ثم احتضنه وقبله.. ومشى وهو يُلَوّح بيده مبتهجاً..
هُنا.. أغمض أبو آسر عينيه ليرى صفحة مُشرقة كُتبت منذ ما يزيد على نصف قرن وفيها احتفال بهيج تخَلَّلَه إطلاق أعيرة نارية لوَّنَت سماء القرية بالفرح، وَسَطَ هتاف الناس واحتفالهم…
صَفْحَـةٌ..، بدأت بخوف وحَذَر أول النهار وأمست والفرح يغمر الكون..
– ٢ –
وما هَالَ الناس وأفزعهم إلا خروج سليمان قاصدًا دارَ حمدان لا يلوي علي شيء..
رآه الصِّبْـيَة -يلعبون في الطريق- فهرعوا إلى آبائهم يُخبرونهم خبر الخروج المفاجيء والآباء يتساءلون: هل كان مُسـلّحـا؟. ويُجَابُون: لا.. لا يحمل سوى عصاهُ في يده وقد لبس أحسن ثيابه..
طرق الباب ورَأَتْه الصَّبِيّة ففزِعت وانطلقت مُرْتاعَةً نحو أبيها تخبره وقد جَفّ رِيقها: العم سليمان على الباب.
انتفض الرجل كمن لسعته عقرب وقامَ مُحوقلا: لا حول ولاقوة إلا بالله، اللهم اكفنا شره.
تَمَنْطَقَ بجنبِيَّتِه وانطلق نحو الباب ويده على مقبضها، مُتَحَسِّبًا لأي طارئ.
وماكاد يفتح الباب حتى رفع سليمان صوته مُسلِّـما..، وتلاحقت كلماته بصوت رفيع: بيض الله وجهك يا حمدان بيض الله وجهك بيض الله وجهك ثم أقبل عليه يُعانِقُه..
وقد احتشد أهل القرية كل مُستعد ليقِفَ إلى جانب قريبه ظالما أو مظلوما.. لكن المشهد الآسر الذي يفيض نُبلاً، غلبهم وما كادوا يصدقون مايرون..
انطلق ابن حامد وحمل بارودته وزَيّنَ المساء بأنوار الفرح ورصاصات البهجة..، يَقْـنُصُ الصخرة في عُلُـوّ الجبل، ترتطم بها الرصاصة فَتَقْدَحُ شَرَرًا.. ومع تكاثره أضاء الفضاء كأنه مصابيح النور ومشاعل الفرح..
والناس يتساءلون: ولم يا ابن حامد ؟ ماعهدناك تخرجها إلا في الأوقات العصيبة!. قال: والبهيجة أيضا..
أما علمتم أن حمدان و سليمان قد اصطلحا؟!
ردّ أحد الحانِـقِـين: ما كان لابْنَي آدم أن يَصْطَلِحا، إلا أن يَقْـتُلَ قابيلُ هابيل.
وتداعى الناس وأقبلوا متسائلين: ماذا هناك؟ ماذا يجري؟.
قال سليمان وقد أقبل على الناس بوجهه: أُشهدكم أن الأخ حمدان يَحكم فيما شَجَرَ بين عائلتينا منذ زمن بعيد.. الآنَ، بما يُرضيه، وما يقوله نافذ عَلَيَّ وعلىٰ أولادي وهو القول الفصل، اشهدوا على ما أقول وليُعلم الحاضر الغائب.
جاء إمام القرية مباركا ومُهنِّـئا، والفضول يسيطر على الوجوه.. ما الذي أطفأ نارَ عقود من الكراهية والعداوة بينكما.
قال: موقف هذا الرجل النبيل يوم الخطة حين فاجأني مجموعة نَفَـرٍ من آل حجير ومعهم هذا الرجل..، حِين رأيتهم يتقدمهم حمدان اعتقدت أن في الأمر مكيدة يريد أن يُصَغِّـرني أمام الأجانب ويُشْمِت بي الناس ما دريت أنهم قابلوه صُدفة وحَلفوا عليه لَيُشاركَـنَّـهم الزيارة.. والوفد له مكانة عندي ويَدٌ اسلفوني ياها.
دخلوا عَليَّ وأنا لا أملك شَرْوىٰ نقِير.
فلما رآني أقوم وأقعد وأذهب وأعود.. لا يَقَـرُّ لي قَرار.. نظر في وجهي حاثّا إياي على القيام بواجب الضيافة وأنا أُقَلّب كَفَّيَّ إشارة العجز وقِلّة الحيلة فما كان منه إلا أن قام وخرج ولم يَغِبْ طويلا عاد ومعه تنكة تَمْر وأدوات القهوة من بُن وهيل ولوازمها.. أدخلها بيتي دون أن أعلم، ثم أقبل عليَّ وسارّني قائلاً: (إن عيالك ينادونك).
ثم خرج أخرى وعاد يحمل خريطة طحين وعُكّة سمن وسطل عسل. كلّ ذلك فعله دون أن يراه أحد وكانت معه زوجته، تُعِينهُ وتُسلِّمها لأهل بيتي. وجلس مع الأضياف كأنه لم يفعل شيئا.
هذا هو حمدان ابن الأكرمين.. ودنا منه وعيناه تفيض بالدمع وقلبه ينبض بالحب والامتنان، وقال أنا مدين لك بحياتي وحياة أهلي وشرف عائلتي.. وهَمّ بالانصراف فَجَذَبَه حمدان قائلا: الفضل لله.. (وأخوك قام بواجبه..) ثم توجه إلى المحتشدين قائلا: وأشهدكم أن أخي وابن عمومتي له مالي، أُشرِكه فيه ولا أنازعه في خصومة بعد اليوم.
قال ابن حامد _ الشيخ الوقور والذي ماحمل حِقدا ولا ضغينه- : الحمد لله على فضله ونعمته، أرى أن يَقْنَعَ كل واحدٍ بما كتبه الله له وأن ننسى خصوماتنا ونتجاوز الماضي ولنكن بفضل الله إخوانا متعاونين..، ويُدَوَّن هذا الصلح وتُرَسّم الحدود وتُشَقّ الطرُق بين المزارع..، ويعرف كل واحد منا حدوده وما له وما عليه.. ليكن هذا الصلح عامّا شاملا الجميع حتى ينشأ الجيل على (وَضْح النّقـا).
فصاح الجميع: جزاك الله خيرًا ونعم الرأي..
وتقابل الخصمان اللدودان واعتنقا رضينا رضينا.
واستنار الليل بأنوار الألفة والتعاون وصفاء القلوب وتهادَت الآمال تَتْرىٰ وتلوح تباشير الأخوة والنبل وتعانقت الأرواح وأزهرت النجوم…
مضى الصيف وطَوىٰ الزمان صفحته..،
مَرَّ الخريف بشحوبه سريعا ودنا الشتاء.. اقتربَ.. والناسُ في حيرة من أمرهم أَيَزرعون هذا العام أم أنّ الجفاف الذي ضرب البلاد سنوات..، أَمَاتَ في النفوس الأمل؛
كانوا يزرعون ولا يكادون يحصدون شيئا لاحتباس المطر ونُدرة المياه في الآبار التي غار معظمها.. فماذا يفعلون؟.
خرج بعض الرجال يحملون بعض البذور والتقوا بابن زهير في ساحة المسجد..
(وش رايك يابو علي، نزرع هذي السنة ولّا نخليها على الله؟).
أدخل يده في أحد الأكياس وتَفَحَّصَها قليلا.. نَظَرَ إلى السماء وهو يُقلّب بعض الحبوب ويفركها بين يديه قائلا: (حَبّ يابس في تراب يابس).. توكلوا على الله.. قالها بثقة المؤمن ويقين المتفائل: ازرعوا.. كل واحد يعمل (يحرث ويزرع) بلاده كلها.. كلها العَثّري والمسقوي ولا تتأخرون.. وأضاف: وَعْدٌ (أسبوع).. ولّا وَعْدَين.. تزيد ولّا تنقص، الله أعلم .. فالله سبحانه وتعالى ما راح يخليكم.
وأضاف حاثّا الجميع على العمل بجدية: (واللي ماعنده يستعين بجماعته وأنا ثيراني وثيران أولادي جاهزة، اللي يطلبها يلقاها.. توكلوا على الله)..
وما كادت تنقضي المُدة التي حددها ابن زهير للناس بنصف شهر تقريبا حتى بدأت رسائل السماء إلى الأرض..
هاهي خيوط النور المتوهجة تومض بسرعة خاطفة بلونها الأبيض الأخّاذ، تهبط من علوٍّ تسلك طرقا متعرجة تلامس الأرض كأنها تُنَبّهها من غفوتها، وتوقظها من سباتها..، تنفض عنها غبار الجدب ثم تعود متعرجة، ليضج الفضاء بصوت قوي يكاد يزلزل الجبال ويُسمِع الجماد.. السماء تتلألأ بالبرق، تبرق وترعد وترعد وتبرق.. والناس تستغيث في خشوع ورجاء: (سبحان واليك وعالم ما فيك، يا الله رحمتك اللهم ارحمنا)، ثم تُفَـتَّحُ أبواب السماء بالغيث العميم والخير المدرار أيامًا.. يَخِفُّ ويشتد، يقف ساعات وينهمر أخرى..
– ٣ –
حتى كان عصر ذلك اليوم وإذا الصائح يصيح: “يا مفاليح افلحوا..”، “يا مفاليح افلحوا..”…
إنه صوت مداري الذي جاءته فاطمة تُخبره أن الخطر يحيط بأهلها..، فَفَزِّع الناسَ..، وأَخْبَرَتْهُ الخبرَ.. ثم عادت دون أن يراها أحد.. فصاح بالجميع يستغيثهم ويستصرخهم ويستعين بهم .
وأَقْـبَلوا عليه: ما الخبر؟ خير إن شاء الله.. (مالك يا مداري ؟).
قال بصوت ملهوف: إنّ الرِّعْيان في خطر ويُخشى أن يَحْبِسَهم السيل.. وإذا احتمل الوادي وسبقهم فلن يصلوا إلينا وسيحبسهم أياما..
وكان صايل قد خرج على سطح بيته يَنْظُرُ قدوم الرعيان.. حاملًا خنجره الطويل والحاد، متّـشِـحًا غَضَبه وحِدَّة طبعه وغِلظته التي لايقف أمامها صنديد..، مُتَوَعِّدًا:
(والله.. والله، لو تنقص الغنم شاة.. والله إنها بروحها)، يقصد أخته التي تَسْرح بغنمه مع الفجر، ترعاها طوال النهار ولا تعود إلا وحُمرَة الشفق تُلَوِّنُ المساء..
والرعيان! وما الرعيان؟.
مجموعة من نساء القرية وفتياتها..، صَبايا ونساء تقودهن السيدة هَـيا أرملة ولها ولدان، صَبي في الخامسة وفَتاة في العاشرة، ترعى معها غنم الأخ “اللطيف جدا” صايل .. والذي لايتورّع في ذبح أخته إنْ عَدا عليها الذئب أو ماتت شاة أو خروف لأي سبب.
– ٤ –
..استطاع النشامى إنقاذ الغنم ورُعاتها.. عادت هيا بغنم أخيها الأربعمئة وثلاث وستين رأسًا كاملة غير منقوصة والحمد لله، عَدّها السيد صايل رأسًا رأسًا وتَفَقّد البَهْم فوجده كما أراد..
وذهبت كل واحدة بغنمها إلى بيت أهلها..
وفرح الناس واستبشروا باليُسر بعد العسر والريّ بعد الظمأ والخَصب بعد الجَدب وصدحت الحناجر بنشيد الأمل وامتلأت الأفواه بشكر المنعم وابتهجت النفوس..، وعاد الصيف – كما وصفه إيليا أبو ماضي- ، أجل عاد الصيف..
عادَ للأرضِ معَ الصّيفِ صِباها
فَهي كالخُـود التي تَمّتْ حُـلاها
صُـوَرٌ مـن خُـضـرةٍ فـي نـضْـرَةٍ
مَـا رَآهـا أحَــدٌ إلا اشْــتــهـاهـا
.. عَمّ الخير وزاد ونما بفضل الله، امتلأت الآبار التي غارت وفاضت السواقي وجرت العيون وتَفَجَّرت الينابيع..
وحان موسم الأفراح وزُفَّـتْ حـنـان إلى علي وسافروا إلـى “الشـام”…

بقلم الكاتب/ علي بن مزهر بن محمد الشمراني.

الوسم


أترك تعليق

Blue Captcha Image
Refresh

*

تابعنا على تويتر
مواليد شمران المزيد

غيم تمطر بالفرح بمنزل الأستاذ احمد بن عيد بن حزمي الشمراني

الزيارات :
مع هطول الامطار وتباشير الفرح فقد رزق الاستاذ احمد بن عيد بن حزمي الشمراني بمولودته التي احب ان يطلق عليها اسم ...

سعيد يضيء منزل الاستاذ / أحمد بن سعيد بن مسفر آل مقبول الشمراني

الزيارات :
رزق الاستاذ / أحمد بن سعيد بن ال مقبول الشمراني ( ال حارثية شمران) هذا اليوم بمولود جعله الله من مواليد السعادة ومن ...

المهندس محمدبن عايض بن محمد بن غرم الله الشمراني يرزق بمولوده جديدة

الزيارات :
رزق المهندس محمدبن عايض بن محمد بن غرم الله الشمراني ” ال حارثية شمران” بمولوده جديد اتفق هو وحرمه على تسميتها دانه ...

محمد يضيء منزل الأستاذ/مصلح بن محمد بن احمد الشمراني

الزيارات :
رزق الاستاذ مصلح بن محمد بن احمد(التليبي )الشمراني بمولود اطلق عليه اسم محمد مسمى على جده محمد بن احمد صحيفة شمران ...

الاستاذ مسفر بن سعيد ال حمدان الشمراني يرزق بمولود

الزيارات :
رزق الاستاذ مسفر بن سعيد ال حمدان الشمراني هذا اليوم بمولود جعله الله من مواليد السعادة ومن حفظة كتابه الكريم ...
انفوجرافيك المزيد
  • الزوار

    1644506
    Users Today : 2000
    This Month : 46073
    This Year : 263343
    Total Users : 1644506
    Views Today : 9273
    Total views : 28030660
    Who's Online : 17